- التفاصيل
- By مهرجان قرطاج الدولي
"بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ وأهلي وإن ضَنّوا عليّ كرام" استحضرنا هذا البيت الشهير ونحن نتابع مساء الخميس 17 أوت مسرحية "فيزا" للممثل كريم الغربي على ركح مهرجان قرطاج الدولي في دورته السابعة والخمسين ... مونودراما ساخرة سلّط فيها كريم الغربي الضوء على عديد المواضيع الاجتماعية لعل أهمّها حلم الهجرة ورغبة الشباب التونسي في الزواج من أجنبيات كوسيلة بحث عن حياة أفضل.
جمهور غفير جدا متعطش للضحك، لم يخذل الممثل كريم الغربي في أول امتحان له على ركح مهرجان قرطاج، ومنحه "تأشيرة" النجاح الفني والجماهيري.
بطريقة لا تخلو من كوميديا سوداء، خيّر كريم الغربي افتتاح عرضه بفيديو قصير يصوّر منعه طيلة سنوات من دخول المسرح الأثري بقرطاج رغم محاولاته العديدة، وينهي هذا الفيديو بتحويل هذا الحلم الى حقيقة ليعتلي كريم الركح تحت تصفيق حار من جمهوره .
محملا بحقيبة سوداء يستهل كريم الغربي مسرحيته بطريقة ارتجالية مشاكسا جمهوره، فجاءت مداخلاته في شكل الهزل الذي يراد به الجدّ حيث عرج على مواضيع حارقة منها أسباب المشاكل بين الأزواج التي تؤدي في مجملها الى الطلاق، كالعلاقات السامة وعدم الاهتمام وانعدام الثقة وغيرها من الأسباب .
تنطلق أولى مشاهد مسرحية "فيزا" بحديثه عن عائلته التي ضحت بالكثير من أجل توفير حياة كريمة له وهو ما جعله يشعر بالمسؤولية ويتفوق في دراسته علّه يعوّض والديه سنوات التعب والمعاناة لكن مجرّد دخوله معترك الحياة المهنية يصطدم بواقع خيّب كل آماله .. وأمام شعوره بالغبن وانسداد كل الآفاق أمامه وعجزه عن ايجاد عمل يلجأ الى العالم الافتراضي وتنطلق رحلة بحثه عن أجنبية تساعده على الهجرة والعبور الى الضفّة الأخرى.
في الأثناء يتعرف كريم على فتاة بلجيكية جميلة تدعى "آنّا" فتتضاعف أحلامه ويرتفع سقف أمنياته ولاكتمال الحلم تزوره حبيبته البلجيكية مرفوقة بمسنّة تكون من نصيب صديقه الصفاقسي محرز، وهنا نشير الى تمكن كريم الغربي من إتقان اللهجة الصفاقسية من خلال شخصية "حروز" التي أضفت على العمل جانبا هزليا حيث تفاعل معها الجمهور بشكل كبير .
بإقحام شخصية "أنّا" في التسلسل الدرامي للأحداث ينتقد كريم الغربي بأسلوب هزلي ساخر عديد الظواهر الاجتماعية بداية بالإجراءات الإدارية المعقدة مرورا بالسكيزوفرينيا التي يعاني منها البعض انطلاقا من عائلته التي ترفض في البداية ارتباط ابنهم بأجنبية لكنها تتنازل أمام الإغراءات.
كما يعرّج كريم الغربي في مسرحيته على موضوع الزواج والشروط المجحفة التي تضعها بعض العائلات التونسية وبطريقة فيها الكثير من السخرية يتحدث الغربي عن بعض العادات والتقاليد في حفلات الزواج التونسية.
"فيزا" كوميديا سوداء نقد من خلالها كريم الغربي الواقع التونسي من البنية التحتية المتهرئة كانتشار الحفر والأوساخ في شوارعنا الى تجاوزات بعض المسؤولين مرورا بالرشوة والانتهازية والبيروقراطية الإدارية وانتشار ظاهرة التحرّش و"البراكاجات"، وتجاوزات بعض الأمنيين ضد المواطن، والعلاقات الأسرية المفتقرة للحب حيث يتحدث كريم الغربي عن العلاقة الفاترة بين الأب وابنه، ونشير الى أن عرض كريم الغربي لمسرحية "فيزا" تزامن مع الذكرى الأولى لوفاة والده وهو ما جعله يتأثر حدّ البكاء.
أما المشهد الثاني من هذا العمل المسرحي، فيصوّر نجاح كريم في تحقيق حلمه وهو الهجرة، لكن هناك في بلجيكا يصطدم بواقع مغاير لواقعنا وبتقاليد وعادات لا تشبهنا ، ويتحدث عن صعوبة التأقلم والاندماج مع المجتمعات الغربية، حيث يفتقر المهاجر الى الدفء العائلي والى تفاصيل الحياة اليومية، واقع يجبر كريم على تعديل موقفه والعودة الى أرض الوطن.
"فيزا" وان مان شو من تأليف أحمد الصيد ونورالدين بوحجبة، جمع بين الضحك والرسائل الرمزية التي تؤكد على حب الوطن وكون الهجرة لا تشكل الحلّ أحيانا.
ساعتان من الضحك المتواصل تمكن خلالهما كريم الغربي من شدّ الجمهور الذي لم يبارح مكانه الى نهاية العرض حيث نجح في محاكاة الواقع فكان عمله عبارة عن مرآة عاكسة لتونس اليوم بأسلوب لم يخل من سخرية ونقد لاذع .
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض مباشرة بالمركز الإعلامي للمهرجان، عبّر كريم الغربي عن سعادته بالحضور الجماهيري الكبير، كما أطنب في الحديث عن تكوينه الأكاديمي الذي مكنّه من إنجاز عمل يستجيب لمقومات العمل المسرحي.
- التفاصيل
- By مهرجان قرطاج الدولي
بالشجن العراقي عميق الصدى الذي يتماشى مع خامة صوتها، اختارت الفنانة التونسية يسرا محنوش استهلال حفلها الفنى على الركح الروماني مساء الأربعاء 16 أوت ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي، كان ذلك بأغنية "ميحانة" التي أحبها الجمهور العربي بصوتها وصنعت شهرتها زمن مشاركتها في برنامج المواهب "ذي فويس". "ميحانة" كانت مسبوقة بموال برهنت من خلاله الخاصية التي تميّز صوتها وهو القادر على أداء كل الألوان والأنماط التونسية والشرقية والخليجية... وحتى الغربية.
أطلّت يسرا محنوش على جمهور ملأ كلّ مساحات مسرح قرطاج ـ بعدما أغلقت شبابيك التذاكرقبل تاريخ الحفل ـ مصحوبة بفرقة موسيقية متكاملة العناصر يقودها المايسترو عبد الباسط بلقايد، في حين كانت الشاشة الخلفية للركح تعرض أول ظهور لها في منوعة تونسية ينشطها الراحل نجيب الخطاب ولم تتجاوز حينها سنواتها الست علاوة على مقتطفات من أهم حفلاتها ولقاءاتها بكبار النجوم أهمهم الراحل الكبيروديع الصافي.
لم تخف نجمة قرطاج بهجتها بهذا الحضور الذي جاء برغبة لسماع صوت طربي أشاد به النقاد وكبار الفنانين، فلم تبخل عليه بكل ما تملك من قدرات وحرفية في الاداء فغنّت لأم كلثوم ووردة الجزائرية وعبد الحليم حافظ كما غنّت من إنتاجها الخاص "تونس المحروسة" و"خديجة" و"أنا طال صبري" و" يا روحي ويا دادة" و"يا جبل" وهي جينيريك المسلسل الدرامي التونسي "الجبل الاحمر"... وأغان أخرى بالعامية التونسية والمصرية كما أفردت مساحة خاصة من زمن الحفل لتأدية مجموعة من الأغاني الصوفية على غرار "يا بلحسن يا شاذلي" و"يا للا جيتك بدخيل" والسيدة النغارة" ... وكانت بهذا المزيج اللحني تؤكد على تمكّنها وقدرتها على أداء كل الأنماط الموسيقية بداية من الموّال العراقي إلى الإنشاد الصوفي التونسي مرورا بالطرب الشرقي، أنماط لم تبوّبها في برنامج العرض بل كانت فقراته متداخلة، تتنقّل من الطبوع إلى المقامات بسرعة ودون عناء لتؤكّد مع كلّ أغنية قدرتها على التحكم في مساحاتها الصوتية الواسعة وتوجّهها كيفما شاءت، وهو أمر جعل جمهور قرطاج يدخل في حالة من النشوى و"التسلطن" وعبّر عن ذلك بتفاعله على امتداد زمن السهرة سواء بالغناء معها أو بالرقص وأحينا بطلب أغنيات معيّنة يحبّ سماعها.
يسرا محنوش قدّمت على ركح قرطاج سهرة فنيّة جمعت فيها عصارة سيرتها الفنيّة وهي وإن لم تكن طويلة إلا أن هذه الفنانة تكتبها ولا تزال بتأنّ وصبر وعزم على بلوغ مصاف كبار الفنانين بفضل ما لديها من موهبة وقدرات.
ممثلو وسائل الإعلام الذين التقوا يسرى محنوش إثر العرض وهنئوها بنجاحه جماهيريا ولاموها في نفس الوقت على تقصيرها في أداء إنتاجها الخاص فوضحت أنها قدمت حوالي تسع أغنيات من إنتاجها الخاص وكانت وفية لما طلبه منها الجمهور... جمهورها وأضافت أنها كانت تود أداء أغنية "je suis malade" للفنان الفرنسي سارج لاما إلا أن ضيق الوقت حال دون ذلك.
مع التذكير أن يسرا محنوش إلى جانب أداءها لكل الأنماط الموسيقية العربية فقد برعت في أداء أغان غربية في برنامجي "ذي فويس" و"سوبر ستار" وهو ما صنع لها اسما وصيتا لامعا في تونس وكامل الوطن العرب.
- التفاصيل
- By مهرجان قرطاج الدولي
كانت سهرة الفنانة النيجرية "يامي آلادي" والفنان الإيفواري "تيكن جاه فاكولي"، الليلة الماضية (15 أوت) ضمن برمجة الدورة 57 لمهرجان قرطاج الدولي، افريقية خالصة ومميّزة بإيقاعات الريغي والجاز والأفروبوب . وجاد خلالها المغنيان على جمهور قرطاج بأغاني الحرية والحب والسلام.
وسجّل هذا الحفل حضور وزيرة الشؤون الثقافية الدكتورة حياة قطاط القرمازي ووزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج السيد نبيل عمّار، إلى جانب مئات الأفارقة المقيمين بتونس وعدد كبير من التونسيين عشاق هذه الأنماط الموسيقية الافريقية.
وبدت إطلالة "يامي آلادي" على جمهور قرطاج مثيرة وحماسية بزيّها الأزرق، وما يحمله هذا اللون من دلالات عديدة المعاني منها الروحانية والصفاء والتناغم والهدوء، ولكنها في المقابل حوّلت المسرح إلى اهتزازت على إيقاعات موسيقاها المستمدة من العمق الافريقي للقارة مثل "Tumbum" و "Africa" و"Mama" وهي أغانٍ تبرز تعلّق المجتمعات الافريقية الشديد بهويتها وإيمانها بالحرية.
كما تصوّر مقاطع الموسيقى جانبا من العادات والتقاليد لدى شعوب القارة كحفلات الأعراس والمناسبات الدينية وغيرها، وهو ما يتجلّى في طابعها الاحتفالي في ظاهرها، أما في مقاصدها فهناك دلالات عديدة منها الحب والسلام والحرية والتعلّق بالأرض.
و"يامي آلادي" هي مغنية ومؤلفة أغاني نيجيرية أطلق عليها معجبوها لقب "ماما أفريكا" لحبها لوطنها الأم نيجيريا. وقد جادت على جمهورها بالعديد من الأغاني الإيقاعية والاحتفالية. وتميّز أداؤها بحضور ركحي متفرّد وأنيق على خشبة المسرح، فلم تهدأ ولم يفتر حماسها طيلة العرض، بل ظلّت مشدودة إلى حماس الجمهور الراقص على إيقاعات موسيقاها التي نالت من خلالها لقب نجمة الأفروبوب الأولى على الصعيد الافريقي.
وعبّرت "آلادي" عن فخرها واعتزازها الكبيريْن بالغناء على مسرح قرطاج العريق وإعجابها الشديد بالطاقة الإيجابية التي بدا عليها الجمهور التونسي والافريقي وهو ما زادها حماسا على الركح. وأكدت أن رسالتها الموسيقية الموجهة للعالم تتضمّن دعوات لإحلال السلام ونشر قيم الحب والعدالة والانتصار للذات الإنسانية.
ولم ينتظر الجمهور طويلا، حتى أطلّ الفنان الإيفواري "تيكن جاه فاكولي" بزيّه الافريقي حاملا عصا الحكمة والمعرفة، ترافقه مجموعة موسيقية يرتدي أفرادها أزياءً عسكرية وسلاحهم آلاتهم الموسيقية وهم عازمون على الالتزام بالدفاع عن شعوب القارة الافريقية وقضاياهم.
وهذا المغني الذي عُرف عنه شراسته واستماتته في الدفاع عن وحدة افريقيا وحق شعوبها في الخروج من الفقر والتحرر من السياسات التي تبقيها في تبعية للدول الغربية، عمّت موسيقاه أرجاء المسرح الروماني بقرطاج، لا سيّما موسيقى الريغي وإيقاعاتها الثائرة في معركته للدفاع عن الحرية والعدالة الإنسانية.
وتواصل الحفل إلى حدود الساعة الواحدة ليلا، ارتدى خلاله "تيكن" في موسيقاه سترة المحارب عن قضايا البيئة والمناخ، فحمّل أغانيه رسائل حول المناخ والجفاف والفيضانات والمجاعات والهجرة وهي من القضايا التي تهدد سكان القارة الافريقية.
وقال مخاطبا الجمهور على الركح بين فينة وأخرى إن افريقيا التي تناضل من أجل الحرية ستتحقق يوما ما وأن افريقيا هي المستقبل.
وترجم هذا العرض الافريقي للثنائي "يامي آلادي" و"تيكن جاه فاكولي" انفتاح تونس على الثقافات الأخرى والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع التونسي والمجتمع الافريقي. كما أكدت برمجة هذا العرض الافريقي الحامل لرسائل الحرية والسلام أن تونس دولة تجمع ولا تفرق وتظل بحاضرها ومستقبلها وفية لمميزاتها الحضارية كأرض لتلاقح الحضارات والتسامح بين الشعوب.
- التفاصيل
- By مهرجان-قرطاج
هل تحتاج الموسيقى لنصّ يسندها ويبيّن معانيها؟ هل تحتاج وأنت تتابع عصارة الفكرة تتحوّل إلى نغم ينساب بغموض كانسياب السكّر من بين أناملك إلى ترجمان يشرحها ؟ أسئلة كثيرة ستقتحم مخيّلتك حتما وأنت تتابع عرضا موسيقيّا لا رقص فيه ولا كلمات؟ لن تقف على الأجوبة الكاملة لأنها ليست معادلة رياضية خاضعة للمنطق فصوت الموسيقى يتجاوز ضجيج الأفكار ليبلغ الروح ومعنى الوجود...
بهذا المعنى وهذه الحيرة ـ بمفهومها الإيجابي ـ اقترحت الدورة السابعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي سهرة موسيقية جمعت مساء الاثنين 14 أوت بين "ثلاثي تقسيم" التركي و"ثلاثي جبران" الفلسطيني. مجموعتان اتخذتا من الموسيقى صوتا ومنهجا وأسلوب حياة...
البداية كانت مع ثلاثي "تقسيم" القادم من تركيا وتحديدا إسطنبول المنقسمة بين قارتين والجامعة بين ثقافتين، إسماعيل وأيتاش وحسنو جمعتهم صداقة منذ سنوات الطفولة تربّوا على سماع الموسيقى الطربية وأصولها العثمانية إلى جانب موسيقى الغجر، مجموعة ثلاثية الأضلاع تختصر توليفتها في ثلاث آلات هي الكلارينت والقانون والساز (وهو من عائلة الوتريات أصغر من العود وأكبر من البزق) ثلاث آلات فقط صنعت عرضا استقبله جمهور قرطاج بانتباه شديد وشغف مستعدّا للرحيل إلى عوالم فنية تأخذه من الشرق العربي إلى شرق آسيا وتحطّ به مرة في الهند وأخرى بين قبائل الغجر وتستريح بين أمواج البحر الأبيض المتوسط لتعبر إلينا وتعزف للراحلة صليحة "آه ودعوني" بحرفية عالية تلامس شغاف القلب ثمّ تستأنف رحلتها في قطعة من "ألف ليلة وليلة" لأم كلثوم من ألحان بليغ حمدي... استمرت الرحلة حوالي ساعة من الزمن وكأن الجمهور على بساط سحري يركب الريح باحثا عن تلك النقطة التي يلتقي فيها الشرق بالغرب والتي اشتغل عليها ثلاثي تقسيم من خلال تشبعهم بالموسيقى الطربية والبحث عن أساليب التحديث والتجديد لتنسجم مع التركيبة العجيبة لمدينة إسطنبول... بالإضافة إلى المقطوعات الموسيقية التي عزفها الثلاثي غنّى إسماعيل أغنيتان بصوت رخيم تشوبه بحّة، غناء يحاكي الغناء الصوفي في شرق آسيا ورغم صعوبة المنطوق/الكلمات إلا أن الإحساس بها كان عال ورهيف وقريب من الروح.... حالة صعبة التفسير من النشوة والامتلاء بالمعنى لا يمكن أن يدركها من تخلّف عن مواكبة هذا الترحال الممتع.
أوتار تدوزن ساعات المساء ودرويش يحرس المعبد
"ثلاثي جبران" حالة فنية نادرة الوجود عايشها جمهور الدورة السابعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي مساء الإثنين 14 أوت، جمهور بمقاييس خاصّة وبذائقة فنيّة رفيعة الحس يدرك أنه اتجه إلى المسرح الروماني ليرحل أو بالأحرى ليحلّق في عوالم عصيّة على المنال مع ثلاثي يجوب العالم حاملا أوتار العود وأنغام الشرق وروح درويش في أشعاره ونبض حرف يعكس حياة الترحال وقدر الشتات، ثلاثة كواحد والواحد لا يتجزأ ولا يقبل القسمة، ولدوا في بيت ربّه صانع أعواد مما يعني أنهم شهدوا على أدقّ المراحل في صناعة سيد الآلات ودوزنة أوتاره، صنعة ورثها جبران الأوسط (وسام) وطورها بالدراسة في أحد المعاهد الإيطالية.
أمام جمهور أنيق، أناقة المقام وأناقة الكلمة أطلّ الثلاثي، كلّ يعانق عوده ومعهم عازفي الإيقاع حبيب الإيراني ويوسف الفلسطيني سبقهم إلى سماء قرطاج صوت محمود درويش الحاضر بالغياب "أنا المعافى الآن/ سيد فرصتي في الحب/ لا أنسى ولا أتذكر الماضي/ لأني الآن أولد...هكذا من كل شيء/ أصنع الماضي إذا احتاج الهواء إلى سلالته/ وأفسده الغبار"...(من قصيد بالزنبق امتلأ الهواء)
بعد هذا الاستهلال أعلن سمير أكبر إخوة جبران أنه "يخاف على أنامله من رعشة القلب" قالها بعد الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها جمهور قرطاج نجوم الجزء الثاني من سهرة الاثنين 14 أوت وأضاف أنه جاء محمّلا بتحية من الشعب الفلسطيني للشعب التونسي.
"تعرف المهرجانات بصخبها، لكن صخب هذه الأمسية سيتمتّع بالحب واللحن والأمل... وشعر درويش" هكذا قال وكذلك صار بالفعل، بعد هذه الجملة انسابت الألحان شرقية كنبع جار يعرف مساره فتصب في الآذان وفي القلوب عميقة الصدى يتعقّبها الحضور من خلال تلك الأنامل وتستدلّ عليها في حركات الأحاسيس "حسّا يعدّل حسّا وحدسا ينزّل معنى"
لأول مرة على مسرح قرطاج الأثري نسجّل أكثر من نجم في حفل واحد فعلاوة على تلاثي جبران كان الجمهور نجما بارزا في سهرة الاثنين بحضوره الأنيق ورهافة حسّه في الاستماع بكل أحاسيسه لما يٌقدم على الركح، درويش الذي سكن بيتا في الغياب كان كذلك واحدا من نجوم الحفل الموسيقي ولأنه لم يشف من حبّ تونس لم يشأ أن يترك أصدقاءه الذين رافقوه في أكثر من ثلاثين عرضا على امتداد خمسة عشر عاما، فخبّأ صوته في حقائبهم وفي ثنايا الأوتار ليقرأ أشعاره ويذكّرنا بوصيته "لم أسمع عاشقين يقولان شكرا/ ولكن شكرا لك لأنك أنت من أنت/ حافظي على نفسك يا تونس/ سنلتقي غدا على أرض أختك فلسطين/ هل نسينا شيئا ورائنا؟ نسينا القلب وتركنا فيك خير ما فينا/ تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا..." وتكرّر حضوره تقريبا في كلّ فقرة من فقرات العرض من خلال "الجدارية" و"انتظرها" و"غريبان في شارع"... وكان صوته دائما مسنودا على العود يدوزن أوتاره... فإن كان درويش قد ترك في تونس أجمل ما فيه فإن ثلاثي جبران ترك على المسرح الروماني أروع ما فيه.
رغم أن "ثلاثي جبران" عرفوا كأول تركيبة في تاريخ الموسيقى الشرقية تتحد في النغم والشغف والأداء بلغة واحدة هي العود ولا شيء غيره إلا أنهم كسروا القاعدة عندما غنى سمير مع الجمهور " وحياتي عندك" للراحلة ذكرى محمد تحيّة لها ولصوتها الرائع وكذلك في ختام الحفل "أهواك واتمنّى لو أنساك" للعندليب الأسمر...
ساعتان ونصف من العزف والترحال بين الشرق والشرق الآخر بين أسلوبين من العزف يختلفان ويلتقيان عند نقطة ما، نقطة مدارها البحث عن التحديث وجوهرها موسيقى الشرق وأصولها الممتدة منذ قرون، "ثلاثي تقسيم" و"ثلاثي جبران" قدما سهرة لا يمكن وصفها بالكلمات لأنه عندما يتعلّق بما لا يفسّر تأتي الموسيقى في المرتبة الثانية بعد الصمت.
- التفاصيل
- By مهرجان-قرطاج
" أهيم بتونس الخضراء حبا فاق عن ظني .. هنا أصلي و ميلادي.. هنا أهلي هنا سكني" ، بكلمات عبد الوهاب محمد وألحان القيصر كاظم الساهر، غنت الفنانة لطيفة العرفاوي لتونس وللمرأة التونسية في عيدها الوطني مساء الأحد 13 أوت 2023 فهزّ صوتها المسرح الروماني بقرطاج في سهرة كان عنوانها الأبرز "نجاح جماهيري مستحق للطيفة العرفاوي في الدورة السابعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي ".
جمهور غفير جدّا تحول قبل ساعات وتكبد عناء الانتظار في طوابير طويلة للقاء فنانة تونسية طالما أمتعته بأغانيها طيلة عقود .. جمهور لم يكن من النساء فقط وإنما من الرجال أيضا الذين جاؤوا للاحتفال بنساء حياتهم في عيدهن.
أما ساحة المسرح الروماني فتزينت بمجموعة من الصور لطوابع بريدية تكرّم نساء تونسيّات تميّزن بتألقهنّ وريادتهنّ وإلهامهنّ للتونسيّات وغير التونسيّات عبر التاريخ في شتّى مجالات النّضال النّسوي وكان لهنّ أثر هام في تاريخ تونس، من بينهنّ الراحلتان المناضلة النسوية أحلام بالحاج وأول نقيبة للصحفيين التونسيين نجيبة الحمروني كما تضّمنت المجموعة لوحة للمخرجة السينمائيّة كوثر بن هنيّة والإذاعيّة علياء ببّو والجامعيّة ليليا بن سالم والثنائي زينة وعزيزة والفنانة حسيبة رشدي والممثلة فاطمة بن سعيدان ومطربة الجيل عُليّة والفنانة حبيبة مسيكة، وجاءت هذه البادرة من قبل وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ في اطار المعرض الوطني للطوابع البريدية "تونسيات 2".
سهرة احتفالية واكبتها كل من الدكتورة حياة قطاط القرمازي وزيرة الشؤون الثقافية والسيدة آمال بالحاج موسى وزيرة الأسرة والمرأة والطّفولة وكبار السّن وعديد الوجوه السياسية والفنية على غرار لمين النهدي ومحمد علي النهدي وآمنة فاخر ومحمد الجبالي وأحمد الرباعي وألفة بن رمضان وغيرهم ، ونشير الى أن الفنانة لطيفة العرفاوي تطوّعت لإحياء هذا الحفل الفنّي وتبرّعت بمائة ألف دينار لفائدة برنامج "صامدة" للتمكين الاقتصادي للنساء ضحايا العنف والمهدّدات به ولبرنامج التمكين الاقتصادي لأمهات التلاميذ المهدّدين بالانقطاع المدرسي.
في تمام الساعة العاشرة مساء اشرأبت الأعناق الى العلم التونسي الذي رفرف في سماء قرطاج مرددة النشيد الوطني قبل أن تعتلي فرقة موسيقية وافرة العدد بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، وعلى شاشة عملاقة عرضت مقتطفات من نجاحات لطيفة العرفاوي في حفلاتها السابقة اضافة الى فيديو كليبات وصور لها مع كبار الملحنين والفنانين وأبرز التتويجات التي تحصلت عليها كجائزة "وورلد ميوزيك أوورد".. وتحت تصفيق حار من جمهور قرطاج، أطلت لطيفة في كامل أناقتها مرتدية فستانا بتصميم عالمي، ودون مقدمات غنت "في الكام يوم اللي فاتو" كلمات نادر عبد الله وألحان وليد سعد، أغنية تفاعل معها الجمهور الذي هتفت باسم لطيفة طيلة العرض، وبدورها لم تخف لطيفة العرفاوي فرحها بهذا النجاح الجماهيري حيث ردت التحية وتمنت الخير والاستقرار لتونس ولشعبها.
لطيفة العرفاوي التي ظلت طيلة عقود وفية لجمهورها وفنها وتأقلمت مع كل التجارب والألوان الفنية وحافظت على بصمتها وشعبيتها، أمتعت جمهور قرطاج بأغانيها المعروفة فتميزت في أغنية "الحومة العربي"، ومن ألبوم "أحلى حاجة فيا" غنت "بالعربي" كلمات ملاك عادل وألحان محمد راجح.
ومن المفاجآت التي أعدتها لطيفة العرفاوي في سهرتها استقبالها لكورال "سيدي سامي" حيث اعتلى الركح قرابة 30 طفلا وطفلة رافقوها في أداء أغنية "للشمس" من كلمات الشاعر ياسين الحمزاوي وألحان أمين قلصي اما الكوريغرافية فأشرفت عليها درّة عياد، ورافق هذه الأغنية فيديو على الشاشة العملاقة لأبرز النساء الرائدات في مختلف المجالات .
وفوجئت لطيفة العرفاوي أثناء حفلها بحضور عروسين (سهير وأيمن) اللذين لم يرغبا في تفويت حفل فنانتهما المفضلة والاحتفال بحفل زفافهما على طريقتهما الخاصة، وقد شكل دخول العروسين مفاجأة للفنانة لطيفة التي استقبلتهما بحفاوة وأهدتهما أغنية "يا ديني محلالي فرحو بالعوادة".
لطيفة العرفاوي عادت بجمهورها إلى سنوات التسعينات، وقدمت له "بأحب في غرامك" و "كرهتك" و"يا سيدي مسي" و"ما ترحش بعيد" و"لما يجيبوا سرتك" و"ان شاء الله" و"يا غدّار" وبطلب وإلحاح من جمهور قرطاج غنت لطيفة العرفاوي "حبّك هادي" التي أصدرتها سنة 1993 وهي من كلمات عبد الوهاب محمد وألحان زياد الطويل .
سهرة غنت فيها لطيفة باقة من أغانيها القديمة فكان عنوانها سهرة الحنين، ولعّل ما زاد في تفاعل الجمهور عرض «فيديو كليب» كلّ أغنيه لتترك لطيفة بذكائها المعهود الذكريات تتسلل الى مخيّلة جمهورها .
لطيفة العرفاوي كانت تلقائية وسخيّة مع جمهورها حيث استجابت لكل طلباته فغنت له بكل حبّ وهذا ليس بالغريب على فنانة في رصيدها أكثر من ثلاثين ألبوما وعشرات الأغنيات المنفردة، كتب ولحّن لها أبرز الأسماء في العالم العربي منهم عبد الوهاب محمد ونزار قباني وبليغ حمدي وسيّد مكاوي ومحمد الموجي وزياد الرحباني وعمار الشريعي وصلاح الشرنوبي وكاظم الساهر وغيرهم ممن آمنوا بها طيلة مشوارها الفني .
وقبل أن تختم سهرتها القرطاجنية بأغنية "أهيم بتونس الخضراء" متوشحة بالعلم التونسي، ألهبت لطيفة العرفاوي مدارج المسرح الروماني بأغنية "ردّ الباب وغرّب" التي رقصت وتمايلت على أنغامها .
وفي ختام هذه السهرة اعتلت السيّدة آمال بالحاج موسى وزيرة الأسرة والمرأة والطّفولة وكبار السّن الركح وكرمت نجمة السهرة الفنانة التونسية جدا لطيفة العرفاوي، في مشهد استحضرنا اثره ما دونه يوما الشاعر الراحل الصغير أولاد حمد حين قال : "كتبت كتبت فلم يبق حرف .. وصفت وصفت فلم يبق وصف .. أقول إذن باختصار وأمضي... نساء بلادي نساء ونصف" .
المزيد من المقالات...
- "ربوخ" و"اركز هيب هوب" في سهرة فنية تجمع بين التراث والتجديد
- مهرجان قرطاج الدولي الثلاثاء 8 أوت : Rag n Bone Man يأسر قلوب الجمهور في أولى حفلاته بتونس
- مهرجان المروج الصيفي في حلة جديدة خلال دورته 31 من 11 إلى 23 أوت وبعروض متميزة من بينها سهرات تحييها نخبة من الفنانين : رؤوف ماهر، مرتضى ، جنجون ، جعفر القاسمي...
- "التّوانسة الكلّ مع طبرقـــة"